ابن أبي الحديد

25

شرح نهج البلاغة

( 201 ) الأصل : كل وعاء يضيق بما جعل فيه ، إلا وعاء العلم فإنه يتسع به . الشرح : هذا الكلام تحته سر عظيم ، ورمز إلى معنى شريف غامض ، ومنه أخذ مثبتوا النفس الناطقة الحجة على قولهم ، ومحصول ذلك أن القوى الجسمانية يكلها ويتعبها تكرار أفاعيلها عليها ، كقوة البصر يتعبها تكرار إدراك المرئيات ، حتى ربما أذهبها وأبطلها أصلا ، وكذلك قوة السمع يتعبها تكرار الأصوات ، عليها وكذلك غيرها من القوى الجسمانية ، ولكنا وجدنا القوة العاقلة بالعكس من ذلك ( 1 ) فان الانسان كلما تكررت عليه المعقولات ازدادت قوته العقلية سعة وانبساطا واستعدادا لادراك أمور أخرى غير ما أدركته من قبل ، حتى كان تكرار المعقولات عليها يشحذها ( 2 ) ويصقلها ، فهي إذن مخالفة في هذا الحكم للقوى الجسمانية ، فليست منها ، لأنها لو كانت منها لكان حكمها حكم واحد من أخواتها ، وإذا لم تكن جسمانية فهي مجردة ، وهي التي نسميها بالنفس الناطقة .

--> ( 1 ) ا : ( هذا ) . ( 2 ) يشحذها : يحدها .